عثمان بن جني ( ابن جني )
328
الخصائص
وإنما يبيت عليها لخلوّه بها ، ومراجعته النظر فيها . وقال : أعددت للحرب التي أعنى بها * قوافيا لم أعى باجتلابها حتى إذا أذللت من صعابها * واستوسقت لي صحت في أعقابها فهذا - كما ترى - مزاولة ومطالبة واغتصاب لها ومعاناة كلفة بها . ومن ذلك الحكاية عن الكميت وقد افتتح قصيدته التي أوّلها : * ألا حيّيت عنّا يا مدينا " 1 " * ثم أقام برهة لا يدرى بما ذا يعجّز " 2 " على هذا الصدر ، إلى أن دخل حمّاما وسمع إنسانا دخله ، فسلّم على أخر فيه ، فأنكر ذلك عليه ، فانتصر بعض الحاضرين له فقال : وهل بأس بقول المسلّمين ؛ فاهتبلها الكميت فقال : * وهل بأس بقول مسلّمينا " 3 " * ومثل هذا في أشعارهم الدّالة على الاهتمام بها ، والتعب في إحكامها كثير معروف . فهذا وجه . وثان : أن من المحدثين أيضا من يسرع العمل ولا يعتاقه بطء ، ولا يستوقف فكره ، ولا يتعتع خاطره . فمن ذلك ما حدّثنى به من شاهد المتنبي وقد حضر عند أبي على الأوارجىّ ، وقد وصف له طردا " 4 " كان فيه وأراده على وصفه ، فأخذ الكاغد والدواة واستند إلى جانب المجلس - وأبو علي يكتب كتابا - فسبقه المتنبي في كتبه الكتاب فقطعه عليه ثم أنشده .
--> ( 1 ) صدر بيت للكميت في ديوانه 2 / 114 ، ولسان العرب ( عجز ) والفاخر ص 2 ، وخزانة الأدب 1 / 179 ، وعجزه : * وهل بأس بقول مسلمينا * ( 2 ) عجّز الشاعر : جاء بعجز البيت . والقصة في اللسان ( عجز ) . ( 3 ) عجز بيت للكميت في ديوانه 2 / 114 ، ولسان العرب ( عجز ) والفاخر ص 2 ، وخزانة الأدب 1 / 179 ، وصدره : * ألا حيّيت عنا يا مدينا * ( 4 ) الطرد : ممارسة الصيد ، وفي الحديث : كنت أطارد حيّة ، أي أخدعها لأصيدها ؛ ومنه طراد الصيد . وانظر اللسان ( طرد ) .